طه عبد الرحمن
53
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
وقد غابت عن الأذهان هذه اللطيفة ، وهي أن المعقولية على ضربين اثنين : " معقولية الشيء بذاته " ، و " معقولية الشيء بغيره " ، والمعقولية الأولى ضيقة وسطحية وجزئية أو قل بالأحرى تجزيئية في حين أن المعقولية الثانية واسعة وعميقة وكلية أو قل بالأحرى تكاملية ؛ والحال أن الأصل هو المعقولية التكاملية - أو قل معقولية العمق - لأن الجزء ، ولو بدا معقولا في ذاته ، فقد يصير غير معقول باعتبار الكل ، ولا فصل في أمر معقوليته إلا بحسب هذا الكل ، بحيث لا يعتد بمعقوليته في ذاته أو على الأقل لا يؤخذ بها إلا مؤقتا ؛ ولولا مخافة الاستطراد ، لمضينا نوضح كيف أن المعقولية التي تتحدد بها أفعال الإنسان لا بد أن تكون معقولية تكاملية ، في حين أن المعقولية التجزيئية - أو قل معقولية السطح - لا يمكن أن تنفع إلا في تحديد المراتب الدنيا من أفعال الموجودات ، وإلا فلا نفع لها إلا في نطاق الجمادات . ولنعد إلى ما كنا بصدده ، فنقول بأنه إذا عرفنا أن الآثار أو النتائج التي تخلّفها ممارسة الشعائر هي عبارة عن علامات أو مؤشرات تظهر في تصرفات المتدين كلها ، زيادة أو نقصانا ، عرفنا أنها أساسا آثار ذات طبيعة سلوكية ، والآثار السلوكية هي بالذات المسمّى الذي وضع لفظ " الأخلاق " للدلالة عليه ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون الغرض الأول من الشعائر هو تحصيل الأخلاق ، بحيث تكون قيمة الشعيرة معلقة بقيمة الخلق الذي تحتها ، إذا زاد فضل الخلق زادت درجة الشعيرة وإذا نقص نقصت كما تكون قيمة أداء الشعيرة معلقة بمدى تحقق هذا الخلق في سلوك مؤديها ، إذا حسن السلوك حسن الأداء ، وإذا ساء السلوك ساء الأداء . 4 - 2 - الأصل في الأخلاق هو حفظ الأفعال الكمالية نجد في صيغة هذا الأصل لبسا أضر بمفهوم " الأخلاق " ، إذ قد يستفاد منها أن الأخلاق أفعال يتوصّل بها إلى ترقية الإنسان إلى مراتب لا تدخل فيها هويته ولا بالأولى وجوده ، أي أفعال تتعلق بما زاد على هذه الهوية وعلى هذا الوجود ؛ وعلامة ذلك الاسم الذي اشتهر بالدلالة على الأخلاق الحسنة ، ألا وهو " الفضائل " ! فالفضيلة من الفضل ، والفضل هو " ما زاد على الحاجة " أو " ما بقي من الشيء بعد الوفاء بالحاجة " ؛ ولا يبعد أن يكون المنقول الأخلاقي اليوناني قد عمل على ترسيخ معنى " الزيادة " أو " التكملة " في مفهوم " الفضيلة " ، إذ أن مقابلها اليوناني : " أريتي " يحمل معنى " الصفة التي يكمل المرء بواسطتها " ، أي